الشيخ محمد رشيد رضا

405

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بعض قوله وأخطأ في بعض ، ومما أخطأ فيه جعله عمر الدولة ثلاثة أجيال أي 120 سنة كالأجل الطبيعي للافراد على تقدير بعض متقدمي الأطباء . ولو قال : عمر الدولة ثلاثة أيام من أيام اللّه : طفولية ، وبلوغ أشد ورشد ، وشيخوخة وهرم . ولم يقدرها بالسنين لسدد وقارب فان قيل إن ما ذكرت من أسباب هلاك الأمم بالظلم والفساد والانغماس في حمأة الرذائل والفسق قد بلغ من أمم أوربة مبلغا عظيما فما بالها تزداد قوة وعزة وعظمة ، حتى صارت الأمم المغلوبة على أمرها ، ولا سيما المستذلة لها ، تعتقد أن تقليدها في مدنيتها المادية وحرية الفسق المطلقة من كل قيد الا تعدي الفرد على حرية غيره هو الذي يجعلها عزيزة سعيدة مثلها قلنا : إن تأثير الفسق والفساد في الأمم يشبه تأثيره في الافراد ، ومثله ما ذكرنا آنفا من اختلاف الأبدان والأمزجة في احتمال الأمراض ، واختلاف وسائل المعيشة والعلاج ، فأطباء الأبدان مجمعون على مضار السكر الكثيرة وكونها سببا للامراض البدنية والعقلية المفضية إلى الموت ، وإنما نعلم أن تأثيرها في البدن القوي دون تأثيرها في البدن الضعيف ، وان القليل منها يبطيء تأثير ضرره عن تأثير الكثير ، وان بعضها أضر من بعض ، وأطباء الاجتماع مجمعون على أن الاسراف في الفسق والترف مفسد للأمم ، وان الظلم والبغي بغير الحق ، والغلو في المطامع والعلو في الأرض ، والتنازع على الاستعمار ، كل ذلك من أسباب الهلاك والدمار ، ولكن لدى هذه الدول كثيرا من القوى المعنوية والمادية ، التي تقاوم بها سرعة تأثير هذه الادواء الاجتماعية ، كالأدوية وطرق الوقاية التي تقاوم بها سرعة تأثير الأمراض الجسدية ، والرياضة الشاقة التي يتقى بها اضعاف الترف للأبدان . وأعظم هذه القوى الواقية للأمم النظام ومراعاة سنن الاجتماع حتى في نفس الظلم ، وفي اخفائه عمن يضر الظالمين علمهم به ولو من أقوامهم ، واتقان الوسائل والأسباب في إلباس ظلمهم لباس العدل ، وجعل باطلهم عين الحق ، وإبراز إفسادهم في صورة الاصلاح ، وايجاد أنصار لهم عليه من المظلومين ، بل اقناع الكثيرين منهم ، بأن سيادتهم عليهم خير لهم من سيادتهم لأنفسهم ، وغير ذلك مما لا محل لشرحه هنا ، وما أحسن قول الشاعر المصري « 1 » في تفريقه بين ما كان من الظلم الوطني وما هو كائن من الظلم الأجنبي في مصر وأمثالها :

--> ( 1 ) هو محمد حافظ بك إبراهيم